محمد الريشهري

432

حكم النبي الأعظم ( ص )

الدنيا لا يُستثنى من هذه القاعدة ، لذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام : لا تَزهَدَنَّ في شَيءٍ حَتّى تَعرِفَهُ . « 1 » وعلى هذا الأساس ، فإنّ أئمّة الإسلام مع تحذيرهم الشديد من حبّ الدنيا ، فإنّهم يقفون بوجه كلّ من يذمّ الدنيا دون علم ومعرفة ويدعو الآخرين إلى الزهد فيها ، ويواجهونه بشدّة « 2 » . وبعبارة أكثر وضوحا : إنّ الإسلام دين الدنيا والآخرة ، وهو يَضمَنُ للناس المنافع الماديّة والمعنويّة في الحياة الدنيا والآخرة ، يقول أمير المؤمنين عليه السلام في تصوير الخصال المطلوبة التي يدعو الإسلام الناس إليها : اعلَموا عِبادَ اللّهِ أنَّ المُتَّقينَ حازوا عاجِلَ الخَيرِ وآجِلَهُ ، شارَكوا أهلَ الدُّنيا في دُنياهُم ، ولَم يُشارِكهُم أهلُ الدُّنيا في آخِرَتِهِم . . . سَكَنُوا الدُّنيا بِأَفضَلِ ما سُكِنَت ، وأكَلوها بِأَفضَلِ ما اكِلَت . . . أصابوا لَذَّةَ الدُّنيا مَعَ أهلِ الدُّنيا ، وهُم غَدا جيرانُ اللّهِ . . . . « 3 » وعلى هذا الأساس ، ففي الإسلام الواقعي على خلاف المسيحيّة المحرّفة ليس ثمّة تضادّ بين الدنيا والآخرة ، بل إنّ التأمّل في تعاليم الإسلام يقود إلى حقيقة جليّة وهي أنّ من خصائص هذه الشريعة أنّ المادية تنبع من باطن المعنويّة ، والمعنويّة من باطن المادية ، والزهد الإسلاميّ يتجسّد مفهومه حيثما تكون اللذائذ المادية ضارّة للفرد أو للمجتمع أو لكليهما .

--> ( 1 ) غرر الحكم : ح 10168 ، عيون الحكم والمواعظ : ص 520 ح 9448 . ( 2 ) راجع : الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة : ( القسم الأوّل / الفصل الثاني : أهميّة الدنيا ودورها في بناء الآخرة : النهي عن سبّ الدنيا وذمّها ) . ( 3 ) راجع : الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة : ( القسم الأوّل / الفصل الثاني : أهمية الدنيا ودورها في بناء الآخرة : ح 142 ) .